جلال الدين السيوطي

99

الأشباه والنظائر في النحو

له ، وجوّز الزّمخشري فيه أن يكون مفعولا به على المشاكلة ، وفيه مجاز . وأمّا قوله تعالى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النساء : 123 ] وقوله : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ [ طه : 112 ] وما أشبه ذلك فكلّها ترجع إلى المصدر . الحادي عشر : إنّما فرّقنا بين الأفعال العامة والخاصة لأنّ تعدّي الفعل إلى المفعول معناه وصول معناه إليه ، فالفعل الخاصّ كالضرب مثلا تعدّيه بوصول الضرب إلى المضروب ، ولا يلزم من ذلك أن يكون الضارب مؤثّرا في ذات المضروب - أعني موجدا لها - ، والفعل العامّ كعمل مثلا تعدّيه بوصول معناه ، وهو العمل ، والعمل معنى عامّ في الذات وصفاتها فلذلك اقتضي العموم واتحاد المعمول حتّى يقوم دليل على خلافه . فمثار الفرق إنّما هو من معاني الأفعال ووصولها إلى المفعول . الثاني عشر : من الأفعال نوع آخر مثل ( قال ) وهو لفظ يخفى فيه الفرق بين القول والمقول واللفظ والملفوظ ؛ لأنّ المقول والملفوظ هو الأصوات والحروف المقطّعة وهي القول واللفظ . والوجه في الفرق بينهما أنّ هنا أمرين : أحدهما حركة اللسان ونحوه مما فيه مقاطع الحروف بتلك الحروف . والثاني : نفس تلك الحروف المقطّعة المسموعة التي هي كيفيات تعرض للصّوت الخارج بتلك الحركات . فالأول هو التلفظ وهو القول واللفظ اللذان هما مصدران ، والثاني : هو المقول والملفوظ ، فإذا قلت : لفظت لفظا ، أو قلت قولا ، لك أن تريد الأول فتنصب اللفظ والقول على المصدرية ، ولك أن تريد الثاني فتنصبهما على المفعول به ، وهما أمران متغايران وإن لم يتجاوزا الفاعل وهو اللافظ القائل المتكلّم ، وليس من شرط تعدّي الفعل أن يتجاوز إلى محل غير الفاعل ، بل الشرط المغايرة سواء تجاوز في محله أو في غير محله . هذا ما انتهى إليه نظري في هذه المسألة . الكلام في قولهم في مثل : خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أورد الشيخ عبد القاهر الجرجاني على قولهم في مثل : خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ [ العنكبوت : 44 ] : « إنّ السماوات : مفعول به » إيرادا هو أنّ المفعول به عبارة عمّا كان موجودا فأوجد الفاعل فيه شيئا آخر ، نحو : ضربت زيدا ، فإنّ زيدا كان موجودا والفاعل أوجد فيه الضرب . والمفعول المطلق هو الذي لم يكن موجودا ، بل عدما محضا ، والفاعل يوجده ويخرجه من العدم . والسماوات في هذا التركيب إنّما كان عدما محضا فأخرجها اللّه تعالى من العدم إلى الوجود . انتهى .